الجاحظ
237
المحاسن والأضداد
حديث الزباء ومنهن الزباء « 1 » ، واسمها هند ، وملكت الشام بعد عمها المنصور ، وكان جذيمة الأبرش قتل عمها ، فبعث إليها جذيمة يخطبها ، فأظهرت البشر والسرور لرسوله ، وكتبت إليه بالقدوم عليها لتزوّجه نفسها ، فاستشار نصحاءه ، فقالوا : « أيها الملك ، إن تزوّجت بها ، جمعت ملك الشام ، وملك الجزيرة إلى ملكك » . فاستخلف ابن أخيه عمرو بن عدي ، وسار في ألف فارس من خاصته ؛ فلما انتهى إلى مكان يسمى « بقة » ، وهو حدّ مملكتها ومملكته ، نزل في ذلك المكان ، واستشار أصحابه أيضا في المصير إليها بالانصراف ، فزينوا له الإلمام بها وقالوا : « إنك ، إن انصرفت من هاهنا ، أنزله الناس منك على جبن ووهن » . فدنا منه مولى يقال له قصير بن سعد ، فقال له : « أيها الملك ، لا تقبل مشورة هؤلاء ؛ وانصرف إلى مملكتك حتى يتبين لك أمرها ، فإنها امرأة موتورة ، ومن شأن النساء الغدر » . فلم يحفل بقوله ، ومضى حتى أقتحم مملكتها ، فقال قصير : « ببقة صرم الأمر » ، ثم أرسلها مثلا . فلما بلغ المرأة قدومه عليها ، أمرت جنودها ، فاستقبلوا الملك ؛ فقال قصير : « أيها الملك ! إني رأيت جنودها لم يترجلوا لك ، كما يترجّل للملوك ، ولست آمن عليك ، فاركب
--> ( 1 ) الزباء هي زنوبيا مكلة تدمر ، تولت الحكم اثر وفاة زوجها أذينة سنة 268 م واستمرت تصرف شؤون المملكة حتى عام 273 م عندما دمر الإمبراطور الروماني أورليانوس مدينة تدمر وقادها أسيرة إلى روما حيث توفيت .